سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

300

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

تعالى نجاح أعمالها وتأييد مقصدها الحق ورجاؤنا من كرمه أن يترتب على حسن سعيها أثر مفيد للشرقيين عموما وللمسلمين خصوصا . ( انتهى ) ! ثم قال : هذه العقيدة « القضاء والقدر » التي تعد من أصول العقائد في الدين الإسلامي - كيف انقلبت حقيقتها مع جهلة الأفرنج ومن تابعهم من المغفلين وضعفاء العقول من الممتفرنجين في الشرق وكيف استنتجوا منها نتيجة لم تكن من لوازمها بل هي في الحقيقة من نقيضها وبعد أن كانت تلك العقيدة الشريفة مما تحمل معتقدها على التحلي بأكمل الصفات من جرأة وإقدام والتخلق بخلق البسالة والشجاعة واقتحام المهالك واحتمال المكاره والجود والسخاء واحتقار الموت في سبيل الحق وطلب المجد رأوا ما في المسلمين اليوم من فقر وفاقة وضعف واستكانة إلى الذل وغير ذلك من المذام فنسبوها إلى اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر - والعقيدة مع المسلمين فيما لو عملوا بها براء مما ينسبونه إليهم - ولكن من سنن الوجود ومقتضيات انحطاط الأمم ولوازم تقهقرها أن ترمي بكل شائنة وتسلب من كل فضيلة فتعود حسناتها سيئات ويعد كل وصف كمالي لها نقصا وبالاختصار تسلب كل ما عندها من المحاسن وتلبس ما في الغير من المساوئ - سواء في ذلك العقائد وجميل الصفات - من ذلك القبيل « التعصب » وهو لفظ شغل مناطق الناس خصوصا في البلاد الشرقية تلوكه الألسن وترمي به الأفواه في المحافل والمجامع حتى صادر متكئا للمتكلمين يلجأ إليه العي والجامد البليد . أخذ هذا اللفظ بمواقع التعبير ، فقلما تكون عبارة إلا وهو فاتحتها أو حشوها أو خاتمتا يعدون مسماه علة لكل بلاء ومنبعا لكل عناء ويزعمونه حجاباً كثيفاً وسدا منيعاً بين المتصفين به وبين الفوز والنجاح ويجعلونه عنوانا على النقص وعلما للرذائل . والمتفرنجون الذاهبون في تقليدهم الأعمى مذاهب الخلط والخبط لا يميزون بين حق وباطل ، هم أحرص الناس على التشدق بهذا البدع الجديد ، فتراهم في بيان مفاسد التعصب يهزون الرؤوس ويعبثون باللحى ويبرمون السبال وإذا رموا به شخصا للحط من كرامته أردفوه للتوضيح بلفظ إفرنجى « فنأتيك » ! وإن عهدوا بشخص نوعا من المخالفة لمشربهم عدوه متعصبا وهزئوا به وغمزوا ولمزوا وإذا رأوه عبسوا وبسروا وشمخوا بأنوفهم كبرا وولوه دبرا ونادوا عليه بالويل والثبور !